النهضة الحضارية ومركزية شرط الوعي الحضاري فيها (3/1)

الجزء الأول:النهضة الحضارية ومركزية شرط الوعي السنني فيها

طلب مني الأخوان الكريمان د. لخضر بن يحيى، و د. محمد البنعيادي. منذ عدة سنوات، أن أكتب مقالا افتتاحيا لمجلة ” الوعي الحضاري ” الفكرية الفصلية المحكمة، التي تصدر بالمغرب الشقيق، وتعنى بقضايا البناء الحضاري، فلبيت دعوتهما بكل سرور، وكتبت على عجل مقالة مطولة، نشرت في العدد الافتتاحي للمجلة سنة 2015.

ولما عزمنا على افتتاح موقع السننية الذي يعنى بتنمية المعرفة والثقافة السننية، طلب مني بعض الإخوة الذين اطلعوا على مجلة ” الوعي الحضاري “، وهم قلة في الجزائر، لأن المجلة لا تسوق في الجزائر، أن أنشر هذه المقالة مجددا ليطلع عليها أكبر عدد ممكن من المهتمين بقضايا الوعي السنني والنهضة الحضارية، فلبيت طلبهم مشكورين.

ولكنني لما عدت إلى المقالة وجدتها مطولة جدا لا تصلح للنشر في الموقع كما هي، لأنها عبارة عن كتاب مستقل سأنشره قريبا بحول الله، واكتفيت بالفصل الختامي منها للنشر في موقع السننية على حلقات، لأنه يعطي خلاصة مركزة عن الكتاب بصفة عامة.

وقد صغت مستخلصات هذه الدراسة على الشكل التالي، ويسرني أن أضعها بين يدي الإخوة القراء، آملا التفاعل معا والاستفادة منها:

  1. الوعي الحضاري بما هو استيعاب متكامل للقوانين الكلية الناظمة للصيرورات الحضارية لحركة الاستخلاف البشري في الأرض، يشكل مركز اهتمام الوعي البشري عبر التاريخ، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
  2. فالجماعات البشرية كلها مسكونة بتحقيق نهضتها الحضارية، بل هي مجبرة على ذلك، لارتباط حاجات حياتها ووجودها الحضاري بها. وكل ذلك مشروط بامتلاك الوعي الحضاري، وإرادة النهضة الحضارية، وثقافة النهضة الحضارية، وإمكانات النهضة الحضارية.
  3. فمن يمتلك الوعي الحضاري، والإرادة الحضارية، وثقافة النهضة الحضارية، يمكنه أن يحقق نهضته الحضارية، وأن يحافظ على مناعته الحضارية، وأن يحرر لنفسه موقعا لائقا به على الخريطة الحضارية العالمية، وأن يساهم في بناء الهوية الحضارية الإنسانية في عصره.
  4. ومن فقد ذلك كله أو بعضه، كان عرضة للاستضعاف والغثائية والتبعية والمهانة الحضارية، كما تؤكد ذلك مسيرة التاريخ الحضاري البشري على طول الخط. فتلك سنة الله في المجتمعات والأمم والحضارات كما قال تعالى: ( سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً )[الأحزاب : 62]. وقال كذلك: ( فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً )[فاطر : 43].
  5. لهذا تتدافع الجماعات البشرية وتكابد من أجل اكتساب الوعي الحضاري، وبناء الإرادة الحضارية، وتوطين ثقافة النهضة الحضارية في مجتمعاتها، من أجل إنجاز نهضتها الحضارية المطلوبة، التي تحفظ وجودها الحضاري، وكرامتها الحضارية، وتحقق لها طموحاتها الحضارية.
  6. والشرط الأساس في الوعي الحضاري، وفي الإرادة الحضارية، وفي ثقافة النهضة الحضارية، هو شموليتها وتكامليتها، واستيعابها لكل شروط النهضة الحضارية، باعتبارها حركة تغييرية إصلاحية تجديدية إبداعية بنائية كلية شاملة ومتكاملة، لا ينفع فيها التجزيء والترقيع والتلفيق والاستئنافية الصفرية المتكررة.
  7. إن أية نظرة تجزيئية للوعي الحضاري، ولثقافة النهضة الحضارية، ولشروط النهضة الحضارية، تؤدي لا محالة إلى تزييف الوعي، وتزييف الثقافة، وابتسار شروط النهضة الحضارية للمجتمع، وحرمانه من إمكانات نجاح هائلة، يتم هدرها جهلا أو تجاهلا وسفها.
  8. فالنهضة الحضارية كفعل إنساني كلي مركب ومعقد، لا يمكن أن ينجزها إلا منظور سنني كوني كلي للحياة، وإلا وعي حضاري سنني شمولي متكامل، وإلا إرادة حضارية صلبة، وثقافة سننية شاملة ومتكاملة كذلك، وما عدا ذلك فهو وهم، غالبا ما يتمخض عن نكسة كبرى في حياة المجتمع.
  9. من هنا فإن المشكلة الكبرى في حياة أي مجتمع من المجتمعات، هي مشكلة نهضته الحضارية. فإذا استطاع هذا المجتمع أو ذاك أن يؤسس الوعي بكون النهضة الحضارية هي الأولوية الاستراتيجية الدائمة له، ويغرس ذلك في أجياله، ويوطِّن نفسه على شروط ذلك كله، فإنه يكون قد أمسك بالشرط الأساس للنهضة الحضارية، أما إذا لم ينجح في جعل النهضة الحضارية هي أولويته المركزية، فإنه يكون قد ضاع منه رأس الخيط كما يقال، وتاه وراء الأولويات الجزئية المتنافرة، التي لا يمكنها أن تؤسس وتبني نهضة حضارية أبدا.
  10. فمصائر المجتمعات البشرية إذن، مرتبطة بنهضتها الحضارية، ونهضتها الحضارية مرتبطة بتأسيس وتوطين الوعي الحضاري فيها، وتحويله إلى ثقافة عامة في المجتمع كله، يتلقاها الجميع، ويتمثَّلونها في تفكيرهم وسلوكهم وشعورهم الجمعي، وأنظمة حياتهم الاجتماعية والسياسية والحضارية العامة.

والنهضة الحضارية لكي تتحقق، وتؤتي ثمارتها المرجوة منها،  يجب عليها أن تستهدف بشكل مستمر:

  • شحذ الفعالية الفكرية للمجتمع: بحيث يكون فكرا سننيا متوازنا، يتميز بالصحة والتحليلية والنقدية والإبداعية والاجتهادية التكاملية، والمنطقية العملية، والرفض المطلق لكل أنواع الخرافة والوهم. أي فكرا سننيا منسجما مع سنن الله في خلقه جميعا، ولا يناقضها أو يجزئها أو ينافر فيما بينها.
  • شحذ الفعالية الروحية للمجتمع: بحيث تتعزز فيه قيم الإيمان والتقوى والإحسان والتوبة والاستغفار العملي، وتقوى علاقات أفراده بالله تعالى، فيعبدونه بصدق وإخلاص ومحبة وخوف ورجاء، ويتحركون في فجاج الأرض وهم يستشعرون حضوره معهم، ورقابته لهم، ومباركته لجهودهم، وتأييده لمساعيهم، وتسديده لكل خطواتهم.
  • شحذ الفعالية السلوكية للمجتمع: بحيث تتميز حياة أفراده بالجدية والإبداعية والإتقان، والمثابرة والمصابرة، والجودة العالية، والجمالية الاسرة، وتسري فيها روح الأمانة والنصيحة والتواضع، وينتفي منها الغش والكسل والتواكل والغرور والاستكبار.
  • شحذ الفعالية الاجتماعية للمجتمع: بحيث تتميز حركة المجتمع العامة، بفعالية وكفاءة وتكاملية الإنجاز، وكفايتها لحاجاته ورفاهيته، بل وإفاضتها على حاجاته ورفاهيته، لتعزيز فائضه الحضاري وتعظيمه، لما له من أهمية استراتيجية بالغة الأهمية،  لأن المجتمعات التي لا تراكم فائضها الحضاري الاستراتيجي الزائد عن حاجاتها ورفاهيتها الآنية، مجتمعات معرَّضة للخطر في أية لحظة، بل إن المجتمعات الواعية، تعطي أهمية خاصة لتعظيم فائضها الحضاري الاستراتيجي، ولا تتهاون في أمره أبدا.

والفائض الحضاري الاستراتيجي هنا، ليس ماديا فحسب، بل هو فكري وروحي وسلوكي وأخلاقي واجتماعي وحضاري بالأساس. فكل هذه الأبعاد في حاجة إلى تعزيز وتعظيم الفائض الحضاري فيها، بلا هوادة أو تواني.

  • شحذ الفعالية الاستيعابية للخبرات الحضارية السابقة أو المعاصرة: بحيث يستفيد المجتمع من كل تجاربه وخبراته السابقة، كما يستفيد من تجارب وخبرات المجتمعات الإنسانية عامة، ويحقق التراكمية والتكاملية والأصالة والمعاصرة المطلوبة في مسيرته الحضارية، ويتجنب مخاطر الانفصامية والتنافرية والإهتلاكية الحضارية المنهكة، التي تصاب بها بعض المجتمعات التي تتضارب فيها الأصالة مع المعاصرة، أو المعاصرة مع الأصالة.
  • شحذ فعالية وكفاءة القدرات الإنجازية الفنية لدى المجتمع: بحيث لا يكون فيه من لا يتقن حرفة حياتية ما أو أكثر، ويصير فيها من أهل الصنعة والاختصاص والخبرة، ليفيد بها نفسه أولا، ثم يفيد بها المجتمع ثانيا. فقيمة الإنسان تعرف وتقدَّر في المجتمع بما يعرفه ويحسنه ويفيد به. وكما قيل بحق فإن ” قيمة كل امرئ ما يحسن “. وفي ثقافتنا الشعبية كلمة جميلة رائعة في هذا المجال، تقال في مدح البنات عند خطبتهن: ” كل إصبع من أصابعها بحرفة ” . وما أحوج المجتمع إلى جعلها منطلقا للفلسفه التربوية برمتها.

بل على المجتمع أن يذهب بعيدا في تفريخ وتوطين الاختصاصات الفنية المختلفة، ذات المستويات الإبداعية العالية، التي يواكب بها الحركة الإبداعية العالمية من حوله، بل ويحرص على أن يكون من المنافسين الجادين فيها.

  • شحذ فعالية القدرات الوقائية للمجتمع: بحيث يتمكن من اكتشاف ومعرفة وتدارك أخطائه ونواقصه، والتحديات والأخطار التي تواجهه داخليا وخارجا، بشكل مبكر حتى لا يباغت بها، أو تتمكن منه، وتضعف فعالية مدافعته الثقافية والاجتماعية والحضارية بعد ذلك، وتكلفه كثيرا.

يتبع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق