الأستاذ عبد الوهاب حمودة في منظور الوســط الذهــبي للوطنيـة الرسالية

الدكتور الطيب برغوث
قيمة الأفراد ومكانتهم في الحياة: إن الناس يكتسبون مكانتهم وقيمتهم الاجتماعية في الحياة، ويحققون استمرارية حياتهم بعد رحيلهم من هذه الدنيا، من قيمة المبادئ والقيم التي يحملونها في حياتهم، ومن احترامهم لأنفسهم، وتوازن شخصياتهم، وخدمتهم للشأن العام بإخلاص وصدق وكفاءة، ومحبتهم للناس واحترامهم لهم، واحتفائهم بأهل الكفاءة والصدق والدفع بهم إلى ساحات النجاح، دون غيرة منهم أو حسد لهم، أو استغلال لهم، وسعيهم الدائب في الإصلاح الاجتماعي، وحملهم لهم النهضة الحضارية لمجتمعاتهم وأممهم، وتكريس أنفسهم من أجل ذلك.
مكانة الأستاذ عبد الوهاب حمودة في نفوس عارفيه: والأستاذ عبد الوهاب حمودة رحمه الله، الذي فقدت فيه الجزائر كنزا من كنوزها الوطنية الثمينة، تنطبق عليه عموم هذه الصفات، التي إذا ما اجتمعت في إنسان بعينه، عد في عظماء المجتمع عند الله تعالى وعند أسوياء الناس، وإن لم يعرفه كثير من الناس، وإن حسده بعض الناس، وإن حاصرهه بعض الناس، وإن همشته وسائل الإعلام في بلده حيا وميتا.
لقد غبطته وأنا أقرأ بعض تعليقات القراء على خبر بسيط عنه في جريدة الشروق، وتمنيت أن يكرمني الله تعالى بذلك يوما ما. لقد كانت كل هذه الأدعية تجأر إلى الله تعالى بأن يتغمد الرجل برحمته الواسعة، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلحقه بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
ولا أملك تفسيرا لما كنت أشعر به من حرارة غير عادية كانت تنبعث من هذه الأدعية إلى نفسي، سوى أنها أدعية صادقة نابعة من قلوب تحمل للرجل صورة غير عادية، عبَّر عنها كذلك تعليق آخر في نفس الجريدة، لقارئ لم يكتف بالدعاء، بل أبدى أسفه بل وحزنه عن عدم حضور جنازته، لأن الخبر لم يبلغه في حينه.
وأنا أشارك هذا القارئ الكريم نفس الإحساس والرغبة، فقد كنت أود شهود جنازته، ومشاركة الجموع الغفيرة من المودعين له إلى مثواه الأخير، ولكن طول المسافة المكانية والمدة الزمانية بين الجزائر والنرويج، وسرعة دفنه، حالت دون ذلك، فاكتفيت بالمشاركة لهم بالدعاء، ونشر تعزية باسم مؤسسة السننية جاء فيها:
الجزائر تفقد كنزا من كنوز الوطنية الخالصة: ” ببالغ الحزن وكامل الرضى بقضاء الله تعالى، تلقت {مؤسسة السننية للدراسات الحضارية }التي يشرف عليها الدكتور الطيب برغوث، نبأ وفاة الأستاذ والمربي الكبير عبد الوهاب حمودة، تغمده الله تعالى برحمته الواسعة، وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيا، على ما قدمه للإسلام والجزائر من خدمات يدرك قيمتها من عرفوه عن قرب. فقد كان رحمه الله مؤمنا صادقا، ووطنيا صميما، ورساليا فطنا واعيا، ومربيا كبيرا، وصاحب شخصية متوازنة، تكامل فيها عمق الإيمان ورحانيته، وعمق الوعي ومتانته، وقوة الالتزام وجماليته، ومتانة الخلق وسماحته، وفعالية العمل وإيجابيته.
لقد فقدت النخبة الفكرية والتربوية والاجتماعية والدعوية في الجزائر خاصة، شخصية نادرة، هي من كنوز الجزائر الحقيقية، التي وإن بلغ إشعاعها وتأثيرها وبركتها، بعض الساحات في المجتمع الجزائري وغيره من المجتمعات الإسلامية الأخرى، إلا أن المأساة التي عاشها المجتمع الجزائر من ناحية، ومحنة المرض الذي ألم به فترة طويلة من ناحية أخرى، وتواضع الرجل ونفوره من الأضواء وطلب الشهرة الزائفة من ناحية ثالثة، وزهد المتصارعين على النفوذ، في الكنوز الوطنية الصميمة من ناحية رابعة، حالت دون امتداد هذا الإشعاع الفكري والتربوي والروحاني والأخلاقي العالي في الأجيال الجديدة، وهو ما شكل خسارة عظيمة للمجتمع وصحوته الفكرية والروحية والأخلاقية والاجتماعية.
لقد كان الأستاذ عبد الوهاب حمودة قدوة متميزة في نواحي عديدة؛ فكرية وروحية وسلوكية وأخلاقية وحركية، ليس من السهولة اجتماعها في شخص في هذا الزمن الصعب، مثلما اجتمعت وتكاملت فيه رحمه الله.
ونحن إذ نودعه بحزن وحسرة على ما تركه في نفوسنا وفي ساحة الصحوة الفكرية والروحية والأخلاقية والاجتماعية للمجتمع الجزائري، من فراغ كبير، فإننا نتضرع إلى الله تعالى بأن يتغمده برحمته الواسعة، ويغفر له ما تقدم وما تأخر من ذنوبه، ويرفع مقامه في جنته، ويبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، ويجعل له لسان صدق في الآخرين، ويصبِّر أهله وتلامذته ومحبيه.
اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، ووفقنا للمضي على الطريق المستقيم التي مضى عليها طيلة حياته، طريق البصارة الفكرية، والروحانية المتوازنة، والأخلاقية العالية، والسلوكية الرفيعة، والرسالية الفعالة، والقدوة المؤثرة، والوطنية الصميمة “.
الأستاذ عبد الوهاب حمودة من رموز دائرة الوسط الذهبي في مفهوم الوطنية: إن الأستاذ عبد الوهاب حمودة، ومن خلال معرفتي الوثيقة والطويلة به، التي تقترب من الأربعين عقدا من السننين، ودراستي لشخصيته، تجعلني أقول بأنه يمثل نموذجا متميزا لما أسميه ” الوسط الذهبي في مفهوم الوطنية أو الرسالية المتوازنة ” التي تشكل الرأسمال الحقيقي في حياة الأفراد والمجتمعات والأمم على الدوام.
أهمية الوعي بدائرة الوسط الذهبي في مفهوم أو سلم الوطنية والرسالية: فالمجتمعات والأمم تتحرك نحو تحقيق نهضاتها ومنعتها ومكانتها الحضارية في عصرها، بقدر ما تتسع فيها دائرة الوسط الذهبي في مفهوم الوطنية لدى أجيالها المختلفة، وتتدافع نحو هذا الوسط الذهبي بحيوية ونشوة روحية. وتعيش هذه المجتمعات والأمم الأزمة والتخبط والضعف والمهانة الحضارية، بقدر ما تضيق دائرة الوسط الذهبي من مفهوم الوطنية لدى أجيالها، ويقل اندفاها نحوها، وتتحول الوطنية إلى شعارات لفظية ومراكب عبور نحو المغانم الخاصة، على حساب قوة الوطن ونهضته ومنعته الحضارية.
فالوطنية كقيمة فطرية لدى البشر، عندما ندرسها دراسة واقعية تحليلية مقاصدية سننية، نجدها تتشكل من عدة دوائر، تتمحور حول دائرة مركزية تشكل الوسط الذهبي في مفهوم وقيمة الوطنية، فهي بمثابة المضغة التي إذا صحت وصلحت صح وصلح ما بعدها، وإذا اعتلت وفسدت اعتل وفسد ما بعدها بحسب ذلك.
فالوطنية فيها دائرة الوسط الذهبي، ودائرة الوسط الفضي، ودائرة الوسط البرانزي، ودائرة الوسط النحاسي، ودائرة الوسط القصديري، ودائرة الوسط الخشبي، ودائرة الوسط الكرطوني وغيرها من الدوائر.. وأعلاها وأهمها وأكثرها نفعا للأفراد والمجتمعات والأمم والناس عامة، هي دائرة الوسط الذهبي ثم تليها بقية الدوائر الآخرى أولا بأول.
أهمية الدفع بأجيال المجتمع نحو دائرة الوسط الذهبي في مفهوم الوطنية: والمجتمعات التي تعي هذه الدوائر وحقيقتها وأهميتها، تعمل بلا هوادة على الدفع بكل أفراد المجتمع نحو الدوائر الأولى، وفي مقدمتها دوائر الوسط الذهبي والفضي والبرونزي والنحاسي، لتوفر لنفسها القوة الحقيقية التي ترتكز عليها في تحقيق نهضتها الحضارية، ومواجهة التحديات الحضارية التي تحيط بها.
والوطنيون الرساليون الحقيقيون هم الذين يعون ذلك بعمق، ويأخذون أنفسهم بالجد والإجتهاد ليرتقوا بوطنيتهم إلى مرحلة أو مستوى الوسط الذهبي أو الفضي أو البرونزي فيها، ولا يرضون عن ذلك بديلا، مهما كلفهم ذلك من متاعب، بل وتضحيات قد تصل إلى دفع أنفسهم من أجل حرية وعزة وكرامة أوطانهم.
مخاطر تفكيك وتمييع الوعي بالوسط الذهبي في سلم الوطنية: إنني عرفت كثيرا من الناس، واشتغلت مع كثير من الناس، والتقيت بكثير من الناس، وقرأت عن حياة كثير من الناس، وتأملت في حياة كثير من الناس، ممن هم في واجهات المجتمع في مختلف مستوياتها، وممن يفترض فيهم أن يكونوا قدوة تعزز الروح الوطنية الرسالية في الأجيال، وتغذي فيهم روح التقرب إلى الله سبحانه وتعالى بخدمة هذا الوطن، ورفع شأنه، وتحقيق نهضته الحضارية المطلوبة، فوجدت كثيرا منهم تتمحور اهتماماتهم وهمومهم حول أنفسهم، أو حول مناصبهم وامتيازاتهم، أو حول عائلاتهم، أو حول جهاتهم، أو حول جماعاتهم، أو حول أحزابهم.. أكثر مما تتمحور حول الوطن، وما يخدم الوطن، وما يرفع من شأن الوطن، وما يعزز وحدة الوطن، وما يحقق نهضة الوطن، وما يحمي الوطن.. وكأن شعارهم الطوفان بعدى! وما درى هؤلاء أن قيمتهم وأن مصالحهم، وأن مكانتهم، وأن أمانهم، هو في قيمة المجتمع ومصالحه ومكانته وأمانه في عصره، فإن مُسَّت أو اهتزت أو تضررت قيمة المجتمع ومصالحه ومكانته وأمانه، ضاعت مصالح الأفراد والعائلات والجماعات والأحزاب والجهات، وفقد الجميع قيمته ومكانته وأمانه.
إن قيمتك ومكانتك من قيمة مجتمعك.
وقيمة ومكانة مجتمعك من قيمة ومكانة نهضته الحضارية.
وقيمة النهضة الحضارية لمجتمعك من وضوح وتكامل مفهوم الوطنية لدى كل فرد فيه.
ووضوح وتكامل مفهوم الوطنية لدى كل فرد في المجتمع هو بقدر وضوح الوسط الذهبي في سلم الوطنية واندفاع عموم الناس نحوه.
كلما اتسعت دائرة الوسط الذهبي في سلم الوطنية، كلما ازدادت فرص النهضة الحضارية للمجتمع، وكلما ضاقت هذه الدائرة كلما تضاءلت فرص النهضة الحضارية للمجتمع.
نهضة المجتمع بين الوطنية النافعة والوطنية المنتفعة: إن الوطنية الحقيقية، التي تنهض بالمجتمعات والأمم، وتحفظ لها كرامتها، وتصنع لها مجدها، هي تلك التي يعمل فيها كل فرد في المجتمع بلا هوادة، من أجل وضع نفسه في دائرة الوسط الذهبي من سلم الوطنية النافعة، عبر حرصه الدائم على التمثُّل البصير لأكبر قدر ممكن من قيم المجتمع ومواريثه وخصائصه النفسية والاجتماعية، وطموحاته ومصالحه الحيوية في حياته، معطيا بذلك المثال والقدوة النموذجية عن حقيقة وقيمة ومكانة مجتمعه لأجيال المجتمع أولا، ثم لأجيال البشرية في عصره ثانيا.
هذه هي الوطنية النافعة التي تنهض بالمجتمعات، وتصنع لها مكانة في الواقع والتاريخ، وتمد الأجيال بالحصانة والمناعة الفكرية والثقافية والنفسية والاجتماعية، وتشدُّها إلى جذورها بعمق، وتصِلها بروح عصرها ومقتضياته بفعالية، وتجعلها عصية على الاستلاب والاغتراب، ومتطلعة إلى الإسهام في الحركة الحضارية الإنسانية بفعالية، تُكسبها الاحترام والهيبة.
فالوطنية النافعة هي تلك التي تعطي للمجتمع قبل أن تأخذ منه، وهذه هي الوطنية الحقيقية، وطنية النهضة الحضارية. أما الوطنية المنتفعة، فهي وطنية ضعيفة تأخذ قبل أن تعطي، وتأخذ أكثر مما تعطي، وهذه ليست وطنية نهضة حضارية بل هي مضعفة لشروط النهضة الحضارية للمجتمع.
الحاجة إلى التعريف برموز الوسط الذهبي في مفهوم الوطنية:
ومن أجل استعادة الروح الوطنية النافعة للإجيال الجديدة، وتخليصها من كوابيس الوطنية الكلامية الشعاراتية المنتفعة، التي أفقدت الوطنية قيمتها العاطفية والروحية والأخلاقية والثقافية والاجتماعية في نفوص هذه الأجيال، يجب على النخبة الفكرية والاجتماعية والسياسية للمجتمع، أن تعتني كثيرا بالتنقيب عن نماذج الوسط الذهبي في سلم الوطنية، وتقديمها لهذه الأجيال، التي أصبحت ترى في الحديث عن الوطنية وهما لا حقيقة له في أرض الواقع.
الأستاذ عبد الوهاب حمودة نموذج قوي من نماذج الوسط الذهبي في مفهوم الوطنية: وبما أننا سقنا كل هذه المقدمات بمناسبة تأبينية الأستاذ عبد الوهاب حمودة رحمه الله، فإننا نؤكد بأن هذا الرجل يمثل فعلا نموذجا قويا من نماذج الوسط الذهبي في مفهوم الوطنية النافعة، والتي كان ينبغي لنا الاهتمام بها والاستفادة من تجربتها في حياتها وليس بعد مماتها!
وبما أننا درجنا على قاعدة ” عاش مشتاق تمرة، أوكي مات علقولوا عرجون ” فإننا ندعو بشدة إلى دراسة تجربة هذا الرجل، في ضوء نظرية أو فكرة ” الوسط الذهبي في مفهوم الوطنية النافعة “، فإنها تجربة غنية جدا لا يجوز لنا أن نضيعها مرة أخرى.
دعوة إلى دراسة تجربة هذا الرجل في ضوء فكرة الوسط الذهبي في مفهوم الوطنية: إنني أهيب ببعض طلبة الدراسات العليا أو ببعض الباحثين عندنا، أن يبادروا بالتكفل بدراسة تجربة هذا الرجل، لمعرفة كيف استطاع أن يضع نفسه في دائرة الوسط الذهبي من سلم الوطنية النافعة ؟ لِما لم تجرفه الأنانية الذاتية، ولا المحورية الفكرية أو الحزبية، أو العائلية أو القبلية أو الجهوية، أو الإمتيازات الإدارية والسلطوية، أو المخاوف التي كانت تحيط بتجربته.. لكي يتقهقر إلى الدوائر الأدنى في سلم الوطنية النافعة ؟ كيف قاوم ذلك كله واحتواه ليحافظ على توازنه طيلة حياته ؟ ويبقى في دائرة الوسط الذهبي للوطنية الحقيقية المتوازنة ؟ مالذي أعانه على ذلك كله ؟ ما هي مؤشرات ونماذج ارتقائه إلى مستوى دائرة الوسط الذهبي في سلم الوطنية والرسالية المتوازنة ؟ وما هي مؤشرات ونماذج ثباته في هذه الدائرة الذهبية وعدم تزحزه عنها ؟
مؤشرات مهمة عن روحه الوطنية العالية: وأذكر هنا بعض المؤشرات على مدى النضج الفكري والنفسي والروحي والسلوكي والاجتماعي والإنساني في شخصية هذا الرجل، الذي تجاوز عتبات الأنانية والغيرة والحسد والتظاهر والتفاخر والتكاثر والتنافر.. وغيرها من المركبات التي تطحن حياة الكثير منا، وتؤثر سلبا على ارتقائيتنا إلى دائرة الوسط الذهبي في سلم الوطنية الرسالية المتوازنة النافعة:
مؤشر اكتشاف الطاقات والدفع بها إلى الأمام: لم يكن رحمه الله يغار من الآخرين، أو يحسدهم، أو يستغل جهدهم وتفوقهم لمصالح الشخصية، لم يكن يستعلي على الآخرين، إنه يشجع المتفوقين والطموحين الجديين المخلصين بكل عفوية وأريحية وإخلاص وصدق، ويفرح بذلك أشد الفرح.
وأذكر هنا مثالا عن ذلك عشته معه شخصيا في أول تخرجي من الجامعة في نهاية السبعينات من القرن الماضي. فقد قدمني إليه الدكتور محمد التيجاني بوجلخة للتسجيل في مسابقة الدراسات العليا في معهد علم الاجتماع، ولما تحدثت معه واكتشف بعض الجوانب المهمة في شخصيتي من وجهة نظري، اهتم بي كثيرا، ووظفني في المركز الثقافي الإسلامي بالعاصمة، لأشرف مع أخي الدكتور الطاهر عامر على مجلة الرسالة في بداية الثمانيات من القرن الماضي.
وأذكر كذلك أنه نوه بي وبأخي الطاهر عامر في اجتماع بمقر وزارة الشئون الدينية في اجتماع خاص بمجلة الرسالة حضره الشيخ د. عمار طالبي، والشيخ د. عبد الرزاق قسوم، والشيخ د. عباسي مدني، والشيخ الأستاذ محمد الهادي الحسني، حيث قال لهم بأن هاذين الإخوين سترون منهما ما يسركم ويثلج صدوركم، فينبغي لنا أن نشجعهما وندفع بهما إلى الأمام.
وقد كان لذلك التشجيع أثره النفسي الكبير في حياتي شخصيا بعد ذلك.
كما أذكر أنني جئته ببعض الخربشات التي كتبتها في بداية الثمانينات من القرن الماضي للحصول على رخصة طبعها، فلم يتردد في تشجيعي على ذلك، ولم ينصِّب نفسه وصيا علي وعلى تفكيري، وحرص على الدفع بي إلى الأمام، وأنا اليوم في رصيدي أكثر من 50 كتابا بين مطبوع داخل الجزائر وخارجها، ومخطوط في طريقه إلى الطبع بحول الله، وعشرات المشاريع المعرفية الأخرى.
وهذا فعله مع كثيرين في مجالات حياتية شتى. وهذه هي الروح الوطنية الحقيقية في أجلى صورها ومعانيها. إنه كان يريد أجيالا متحركة بحكمة في كل الاتجاهات لخدمة المجتمع ووقايته وتحقيق نهضته الحضارية المتوازنة. فجزاءه الله عنا وعن الجزائر والإسلام خير الجزاء.
مؤشر تقدير الرجال وذوي المكانة : كما أذكر هنا في سياق آخر، أنه رحمه الله كان شديد التقدير للرجال وذوي المكانة، وخاصة المهمشين والمغبونين منهم، من الذين غمطهم ذوي الشأن حقوقهم. وأكتفي هنا بذكر مساعدته للأستاذ النابغة حمودة بن الساعي أستاذ مالك بن نبي. فقد كان هذا الرجل العظيم من كنوز الوطنية الحقيقية، الذين هُضمت حقوقهم، وهمِّشوا ودمِّرت حياتهم، مع أنه كان من نوادر الجزائريين الذين حصلوا على شهادة الليسانس في الفلسفة والفكر الإسلامي من السربون، في الثلاثينات من القرن الماضي!
لقد حدثته عن أوضاعه المزرية فتأثر كثيرا حتى كاد يبكي! وخاصة عندما قلت له بأن هذا الرجل العظيم يتجول القمل في معطفه، فكنت كلما ذهبت من العاصمة إلى باتنة في نهاية كل شهر، يعطيني كمية مجهولة من النقود أحملها إلى الأستاذ الكبير المظلوم حمودة بن الساعي، فكان يتقبلها مني ويدعو له بعظيم الجزاء في العاجل والآجل.
مؤشر الدفاع عن الجزائريين المظلومين: وعندما تعرضت لمحنة خاصة في سورية في منتصف التسعينات من القرن الماضي، هب للدفاع عني وإنقاذي من الخطر الذي كان يتهددني في دمشق والجزائر معا. واتصل بالشيخ عبد الرحمن شيبان وطلب منه التدخل لحمايتي من المخاطر التي كانت تحدق بي، من غير أن يتردد أو يخاف أو يتحفظ، لأنه كان واثقا في براءتي، ومطمئنا إلى بعدي عن كل ما يقوله عني نهَّازوا الفرص المسمومة.
إنني أعيد في الأخير تأكيدي على أهمية دراسة تجربة هذا الرجل المتميز من منظور الوسط الذهبي في مفهوم الوطنية الرسالية المتوازنة النافعة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق